عبد السلام مقبل المجيدي

79

تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم

الدقة في وصف مكان الملك ، والمسافة التي تبعده عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في هذه الحالة ، وإن كان من حواليه لا يراه ، وإما أن يكون تصويرا لحالة المجيء المشاهد للملك ، وهو كائن عند تمثل الملك رجلا ، فقد كان يتم للملك القرب من النبي صلى اللّه عليه وسلم أكثر كحديث عمر المشهور في مجيء جبريل عليه السلام يعلمهم أمر دينهم حيث جعل ركبتيه عند ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ، ولكن هذا المجيء المشاهد للملك لا يتعلق به وحي القرآني ؛ إذ هاهنا حقيقة تتعلق بهيئة الملك عند الوحي القرآني هي أن الوحي القرآني لا يأتي الملك فيه إلا بالصورة الأشد . فإن اعترض بأنه قد جاء : الوحي القرآني في غار حراء والملك متجسد للنبي صلى اللّه عليه وسلم ظاهر بارز ؟ . فالجواب : بل كان الوحي في غار حراء من أشد ما لقيه النبي صلى اللّه عليه وسلم في تلقي الوحي القرآني وذلك ظاهر ، حتى رجع النبي صلى اللّه عليه وسلم بالوحي ترجف بوادره « 1 » ، ثم قد جاء أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد شقّ صدره هناك ، وحسبك بذاك تهيئة وشدة لو صح ، على أن تجسد الملك له في غار حراء كان في بدايات الوحي تمهيدا لأن يعتاد الاتصال بالملك دون أن يعتريه ضعف جسماني ، ولا شك عقلي في أن الذي يتصل به ليس إلا ملك ، ولذا قال صاحب التحرير والتنوير : " فكانت قواه البشرية يومئذ غير معتادة لتحمل اتصال القوة الملكية بها مباشرة ، فكان ذاك - يعني التجسد - رفقا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم أن لا يتجشم شيئا يشق عليه " « 2 » . 7 - وبعد ذا القرب تكون مرحلة الإلقاء والتعليم : حيث يلقي الملك على النبي صلى اللّه عليه وسلم ما أمره اللّه عزّ وجل به أن يلقيه فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى " النجم / 10 " ، وليس إلقاء الملك من فم إلى فم فحسب ، بل يلقيه على قلبه صلى اللّه عليه وسلم . . . كأن جبريل عليه السلام يصل رأسا إلى مركز السمع والبصر والوعي الكامل في الفؤاد . . . إذ إن جارحة البصر ( العين ) ، وجارحة السمع ( الأذن ) ما هما إلا تحويل وترجمة لما

--> ( 1 ) البخاري 1 / 4 ، مرجع سابق . ( 2 ) التحرير والتنوير 26 / 97 ، مرجع سابق .